السيد حيدر الآملي
132
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
ساعة واحدة أو أقل وفي هذا المقام قال جبرئيل : « لو دنوت أنملة لاحترقت » ( 72 ) .
--> ( 72 ) قوله : قال جبرئيل : لو دنوت أنملة . . . روى ابن شهرآشوب في كتابه « مناقب آل أبي طالب » ج 1 ص 179 ، المتوفى 558 ه . ق عن ابن عباس في حديث في المعراج : فلمّا بلغ إلى سدرة المنتهى فانتهى إلى الحجب ، فقال جبرئيل : « تقدّم يا رسول اللَّه ليس لي أن أجوز هذا المكان ، ولو دنوت أنملة لاحترقت » . وعنه البحار ج 18 ص 382 . روى الكليني في الكافي ج 1 ص 442 باب مولد النبيّ ص 1 ح 12 بإسناده عن أبي بصير ، عن الصادق عليه السّلام قال : « لمّا عرج برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله انتهى به جبرئيل إلى مكان فخلَّى عنه ، فقال له : « يا جبرئيل تخليني على هذه الحالة » ؟ فقال : امضه ، فو اللَّه لقد وطئت مكانا ما وطئه بشر وما مشى فيه بشر قبلك » . أقول : ليس المراد من المكان ، المكان المادّي ، بل المراد منه المقام الرّتبيّ والمرتبة الوجوديّة ، كما قال تعالى : * ( وَما مِنَّا إِلَّا لَه ُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ) * [ الصافات : 164 ] . وهذا يعني لكل من الخلق ومنه الملائكة ، قدر خاصّ من الوجود وهو رتبته منه ، ومرتبة وجود جبرئيل عليه السّلام ذاك المقدار وليس أكثر ولا أشدّ منه ، ومستحيل ان يتجاوز عن ذلك المقام ، وتجاوزه عنه أي التجاوز عن رتبته ، وهذا يعني عدمه وليس هو بعد ذلك التجاوز هو هو ، بل لو كان يكون موجودا آخر ، وهذا معنى توقيفيّة كلّ اسم وكلّ شيء موجود في العالم ، وهذا بمعنى أنّ مرتبة كل موجود هي نفسه وذاته ، وبما ذكرنا يعلم معنى الاحتراق أيضا ولا تغفل . ومقام رسول الخاتم صلَّى اللَّه عليه وآله أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله « عبده » أي عبد الذات والهويّة المطلقة كما قال تعالى : * ( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِه ِ ) * [ الإسراء : 1 ] . وقال سبحانه وتعالى على ما ورد في الحديث التالي : « يا محمّد أنت عبدي وأنا ربّك » . وهذا هو كمال الإنسان والغاية من خلقه ، يعني الهدف من خلق الإنسان والهدف من العمل بالدين هو أن يكون الإنسان عبدا وسلما له سبحانه وتعالى . وروى الصدوق في « العلل » باب 7 الحديث 1 ص 5 وفي « عيون » باب 26 الحديث 22 ص 262 بإسناده عن عبد السلام بن صالح الهروي ، عن الإمام الرضا عليه السّلام عن آباءه ، عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله في حديث طويل في المعراج قال : « إنّه لمّا عرج بي إلى السماء أذّن جبرئيل مثنى مثنى ، وأقام مثنى مثنى ، ثمّ قال لي : تقدّم يا محمّد ، فقلت له : يا جبرئيل أتقدّم عليك ؟ فقال : نعم ، لأنّ اللَّه تبارك وتعالى فضّل أنبياءه على ملائكته أجمعين ، وفضّلك خاصّة ، فتقدّمت فصلَّيت بهم ولا فخر ، فلمّا انتهيت إلى حجب النور ، قال لي جبرئيل : تقدّم يا محمّد ، وتخلَّف عنّي ، فقلت : يا جبرئيل في مثل هذا الموضع تفارقني ؟ فقال : يا محمّد إنّ انتهاء حدّي الَّذي وضعني اللَّه عزّ وجلّ فيه إلى هذا المكان ، فإن تجاوزته احترقت أجنحتي بتعدّي حدود ربّي جلّ جلاله ، فزج بي في النور زجة ، ( فزخّ بي النور زخّة ) ، ( فرجّ بي النور رجّة ) حتّى انتهيت إلى حيث ما شاء اللَّه من علوّ ملكه ، فنوديت : يا محمّد ، فقلت : لبيك ربّي وسعديك تباركت وتعاليت ، فنوديت : يا محمّد أنت عبدي وأنا ربّك فإيّاي فاعبد » . الحديث . عنهما البحار ج 18 ص 346 الحديث 56 .